إبحار
في عالم الثقافة و العلوم و الفنون
في سبيل الإمبراطورية
أصدقائى الأعزاء ، سأصحبكم اليوم في رحلة تجمع بين الأدب و السياسة من خلال مقال لكاتب عبقرى لم أقرأ له مقالا إلا و أعجبنى ، فأدعوكم لقراءة مقالاته المتميزة على موقع إسلام أون لاين ، و جريدة المصريين . هذا المقال رغم أنه يتناول رواية أدبيه قديمه إلا أنه يترجم ما يحدث في حاضرنا الأن ...أترككم مع مقال الدكتور أيمن محمد الجندي..و عنوانه "البنسات الثلاث "عن رواية بريخت التي تحمل نفس الأسم
****************************
لا أصدق أنني أكتب الآن مقالا عن تحفة بريخت الغالية " البنسات الثلاث " !!..من أنا حتى أنهض بقراءة عمل أقل ما يوصف به أنه مذهل !!..لا أملك بضاعة النقاد ولا رطانة المثقفين ولا حتى الأدوات المنهجية اللازمة لتحليل مثل هذا العمل ..لكنني أملك الحب والانبهار والذكريات الحميمة ، وهذا ما سأفعله في هذا المقال ..سأحاول أن أفسر سر إعجابي بهذا العمل منذ قراءتي له منذ خمسة وعشرين عاما .
كنت مسافرا إلى مصيف رأس البر الذي أعشقه ، ولذلك حرصت على أن أتزود بما يجعل أيامي هناك ممتعة ..ذهبت إلى صديقي الحميم لأقترض بعض الكتب من مكتبة أبيه العامرة ..ذكروني يوما أن أحكي لكم عن هذا الرجل العظيم المثقف..بوسامته ودماثته وموسوعيته ..ابتاع خلال رحلة عمره عددا هائلا من الكتب يكفي مكتبة عامة عملاقة ، وأنفق عليها ما يزيد عن تكاليف بناء عمارة ..كان يحرص على كتبه كما يحرص الشحيح على ديناره الأخير ..أو خوف الأب العجوز على سلامة أطفاله الصغار ..لذلك كان هلعه لا يوصف حينما راح الأوغاد - أصدقاء ابنه - يقترضون كتبه ولا يردونها..من أسوأ هؤلاء الأوغاد أنا !!.
ملأت حقيبة صغيرة بما راق لي من كتب صديقي رغم احتجاجاته الواهنة ، من بينهم كتابين سميكين من مطبوعات دار الهلال القديمة التي لم يعد يعاد طبعها ، ولا يمكن الحصول عليها الآن إلا بمحض الصدفة من باعة الكتب المستخدمة ..قال صديقي ما معناه أن هذه الرواية ( البنسات الثلاث ) مهمة جدا وإن كان لم يقرأها بعد من فرط ضخامتها ، وهي العمل الروائي الوحيد لبريخت ، المؤلف المسرحي الألماني ذائع الصيت.
كان الطريق إلى رأس البر طويلا ومنهكا . أدار السائق شريط أغنية لأم كلثوم يستعين بها على ملل الطريق ..رحت أرمق الأشجار المتلاحقة وأشرد في أفكاري الخاصة .. رأس البر ، رحلة النهر الذي أنهكه السفر من أدغال إفريقيا ، حيث صراع الطبيعة الأزلي : سطوة الأقوياء وحيلة الضعفاء ، وبرغم ذلك تكتمل دورة الحياة ويجد الجميع مكانا لهم تحت الشمس ..يتلوى النهر في مساره الطويل حتى يرتمي في أحضان البحر عند " اللسان " في رأس البر ، يبوح له بأسرار البلاد التي شاهدها ، وأحزان النوع الإنساني الذي لا يعرف الراحة.. أذهب إلى اللسان بمجرد وصولي لأشهد انتحار النهر وأتنصت إلى أسراره الرهيبة لحظة الاحتضار .
.............................................
وأفقت من شرودي ، تذكرت الرواية ذات العنوان الغريب " البنسات الثلاث " ..كانت البداية عن " فيوكومبي " العسكري الإنجليزي الذي فقد ساقه في إحدى الحروب الاستعمارية في بداية القرن العشرين ..عاد من جنوب إفريقيا بساق مفقودة قالوا له إنها ذهبت في سبيل الإمبراطورية !! ، وتعويض صغير ابتاع به حانة تبين أنها كاسدة ..تدهورت أحواله بسرعة من جندي باسل إلى مشوه حرب إلى صاحب حانة فاشل إلى شحاذ .. قرصه الجوع والبرد ..لكن تبين له أن الشحاذة هي أكثر مهنة منظمة في هذا العالم !!.. مناطق نفوذ يتم تقسيم المدينة على أساسها ..لذلك انضم إلى جحافل بيتشام ، ملك الشحاذين في المدينة ، بمؤسسته التي تدار منها صناعة الشحاذة بأقصى درجة من الكفاءة والحرفية.
قميء الشكل ، زري الهيئة ، نكد الوجه ، متشكك أبدا ، هذا هو مستر بيتشام صاحب شركة الشحاذة الذي تورط أخيرا في صفقة شراء سفن بحرية متهالكة تم التعاقد على توريدها للأميرالية كناقلات جنود إلى أتون الحرب ، بوساطة من السمسار النصاب " كوكس " .
اندمجت في القراءة مستمتعا ..راحت أحداث الرواية تتصاعد بسرعة ..مع وصف دقيق متمهل لكل الشخصيات ودوافعها الداخلية ..يعري نفاقها أمام غيرها وأمام أنفسها ..شعارات براقة ودوافع رديئة ..في كوميديا سوداء تعتمد على طرافة الموقف ، والتناقض الفج بين الأفعال الرديئة والكلمات المنمقة، توجد كل مزايا المسرح البريختي ، بقدرته على جعل الأحداث اليومية العادية غريبة ومثيرة للدهشة ، محرضا المشاهدين على التفكير ، وممارسة النقد الذهني .. كل هذا في إطار مسل مضحك ..
تحكي الرواية عن فترة الترهل في حياة الإمبراطورية الإنجليزية التي لا تغيب عنها الشمس ..مجد عسكري ومستعمرات في كل مكان مع الكثير من الثقوب في قلب الإمبراطورية ..الثمن الباهظ الذي دفعه المواطن العادي من أجل هذه الرفعة .. الضعفاء المطحونين بلا رحمة تحت رحى الأقدار الثقيلة . إن المتابع لروايات الكتاب الإنجليز والفرنسيين في نهايات القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين ليذهله مدى البؤس الذي كان يحيا فيه المواطن العادي آنذاك ، والمحير ، الذي لا يصدقه عقل ، أنهم استطاعوا تجاوز هذا الواقع الكئيب ، وصححوا أخطاءهم بسرعة ، وهيئوا الحياة الكريمة لأدنى طبقات الشعب ..عدالة اجتماعية لم تعرفها حتى المجتمعات الاشتراكية مما أفقد اليسار قضيته العادلة هناك .
ومما يجب ذكره في هذا السياق أن بريخت كاتب يساري ، هرب من ألمانيا النازية ، تسكع في عدد من البلاد الأوربية ، ثم ذهب إلى أمريكا فعاش أسود لحظات حياته ، تجاهلوه واضطهدوه في الحقبة " المكارثية " ، حين انتابت أمريكا حمى الهلع من انتشار الفكر اليساري في قلعة الرأسمالية ..
وإنني لأرجو ألا تكون ميول بريخت اليسارية تمثل عائقا نحو قبوله بالنسبة للقارئ المتدين ، فالتنوع سمة أصيلة في هذه الحياة ..نظرة واحدة إلى هذا الكون تكفي لجعلنا نؤمن بالتعدد واتساع الرؤيا ..تضاريس الأرض المختلفة بين سهول وجبال ، بحار وأنهار ، غابات وصحراوات ..البرد والحر وتنوع الفصول ..بلايين المخلوقات المتنوعة التي تدب على سطح الأرض وتشاركنا رحلة الحياة ، خيرات الأرض التي لا حصر لها ..الأجرام السماوية بنجومها وكواكبها ونيازكها ..
بالنسبة لي لا توجد عندي مشكلة في قبول أي منتج بشري - ما لم يتعارض تعارضا واضحا ، لا شبهة فيه ، مع عقيدتي الدينية- باعتباره لا يخلو من الحكمة ..أحب في اليسار انحيازه للفقراء ، وفي اقتصاد السوق تشجيعه للقوى الكامنة في الإنسان ، وفي الليبرالية إيمانها بحق الإنسان في تحديد مصيره ، وفي الديمقراطية رفضها لاستبداد فرد ، وفي الصوفية عنايتها بالروح ، وفي التدين الشعبي حب آل البيت ، وفي المعتزلة إيمانهم بالعقل ، وفي السلفية اهتمامهم بالدليل . تنوع يضاهي تنوع الكون من حولي في ملكوت السموات والأرض .
...........................
كانت السيارة تمضي بسرعة ، تتمهل أمام القرى المحتشدة بالفلاحين البسطاء الذين يقودون ماشيتهم صوب المزارع الخضراء .. وكنت في شغل عن هذا كله . منفعلا بالكتاب ، ووددت لو كان بوسعي أن أعود أدراجي لأخبر صديقي ب"اكتشافي العظيم "!..
السمسار كوكس ظل يتلاعب بمستر بيتشام وشركاءه ، كما يلعب المرء بالكرة ، فيصاب مستر بيتشام بهلع ، لأنه ظل طول حياته ينصب على الناس ويستغلهم ، ولم يألف أن ينصب عليه أو يستغله أحد . ثم يكتشف أن السمسار مفتون بابنته بولي فيتعلق بأمل تزويجها له كقشة أخيرة تنقذه من الغرق .
لكن بولي ، من وراء ظهر أبيها ، تتزوج ماكهيث الذي بدأ حياته كلص منازل من الدرجة الثالثة ، ثم زعيم عصابة ينفذ عددا من السرقات الجريئة ..ولكنه يطور نفسه بسرعة ليصبح رجل أعمال !! .. يقول لساعده الأيمن في العصابة متفلسفا : " جروتش ، أنت لص قديم ، مهنتك السطو والسرقة ، ولن يخطر على بالي أن أدعي أن مهنتك هذه قد عفا عليها الزمان ، كل ما هنالك أن هذه المهنة العريقة قد بدأت تتخلف عن العصر ، فأيهما أحسن : طفاشة لفتح الأقفال أم سهم في إحدى الشركات ؟ ، وهل يقاس السطو على بنك بافتتاح بنك ؟ ، وأي وزن لقتل إنسان إذا قيس باستخدام هذا الإنسان ؟ ..ولماذا نستخدم القتلة ما دمنا نستطيع استخدام المحضرين !! ، وإذا كنت مصرا بينك وبين نفسك ، لأسباب عاطفية بحتة ، على متعة السرقة فيمكنك أن تقر عينا وتستمتع الاستمتاع كله ، لأنك بهذه الطريقة تكون قد سرقتهم سرقة ".
وهكذا افتتح ماكهيث عددا من المحلات قام بتمليكها لعدد من الناس المجدين الذين يحلمون بالاستقلالية والنجاح ! ، وبالتالي اتسعت أعماله وكثر رقيقه من الناس المجدين الذين يعملون ليل نهار ويموتون تعبا في تصريف بضائعه ودفع إيجار محلاته .
ونتيجة لخطط ماكهيث وألاعيبه تستعر حرب في ميدان تجارة التجزئة يكون ضحاياها - كالعادة - من الناس الصغار ..لكنه استطاع في النهاية فرض شروطه على المنافسين ، صارح نفسه في لحظة الانتصار النهائي : " كل هذا التظاهر يثير غثياني ..نحن نريد أن نسرق بعضنا ، لكن يجب أن يتم هذا بطريقة متحضرة ، سيدي ، هل تسمح لي بحز عنقك ؟ ، يجب أن يتم كل شيء على شكل عقود ..وعلي أن أدس في العقود عبارات لولبية والمح بتلميحات ، وابتسم ، وأناور ، وألف ، وأدور ، لم لا أقول للواحد منهم صراحة ، بغير لف ولا دوران ، أعطني ما معك وإلا ذبحتك ؟ ، علام كل هذه العقود والاتفاقيات والتعهدات بينما المرء قادر على أن يحصل منهم على ما يريد بخلع أظافرهم أو تهشيم أسنانهم ؟ ، وعلام كل هذا التستر وراء القضاة والمحضرين ! ، كل هذه أشياء مهينة تحط من قيمة المرء ، نعم ، لم يعد بوسع المرء اليوم أن يحقق أي شيء بتلك الوسيلة القديمة ، البسيطة ، الطبيعية ، المجربة : وسيلة السطو على الناس في عرض الطريق ، لكن أيام زمان كانت خيرا وبركة ، وهذه أيام ذل وشقاء !! ".
..................
ليس في وسعي ، في هذا المقال ، استقصاء أحداث الرواية أو تلخيصها ، لأنها كثيرة متشعبة ، لكن يمكنني أن أقول أن مستر بيتشام سيقتل السمسار النصاب كوكس في النهاية ، وستغرق السفن المتهالكة بمن عليها من جنود ، وستنتحر امرأة فقيرة من ضحايا ماكهيث ، وستلفق التهمة للعسكري الذي فقد ساقه ، حاكموه وشنقوه وسط دهشته العارمة !!
عنوان الرواية " البنسات الثلاث " يلخص كل شيء..الفقير هو البنس الذي يزداد به الغني غنى ..كل أبطال الرواية بلا استثناء يعتمدون على استغلال غيرهم في الثراء ويبنون مجدهم على شقاء الآخرين . تلك ليست مجرد ملهاة عن تفاصيل الحياة البرجوازية ، أو وصف دقيق لسيطرة رأس المال على أصحاب الحرف ، أو ألاعيب رجال الأعمال على حساب الناس الصغار ..الرواية - في الحقيقة - هي قصتنا نحن ..أنا وأنت ..حكاية شقائنا من أجل الصفوة ..كدحنا لرفاهية القلة ..كبار رجال الأعمال الذين يسخروننا – من حيث لا ندري - لتراكم ثرواتهم ..قصة المصريين في الخارج ، الذين يعملون ليل نهار ، في الشتاء والصيف ، لسنوات طويلة ، وهم يظنون أنهم يتمتعون باستقلالهم ، ويعملون لأنفسهم ، وفي الحقيقة هم مسخرون من أجل حفنة من رجال الأعمال ، استولوا على كل شيء في البلد ..الأراضي والمصانع والفرص ، والمعلومات السرية والخطط المستقبلية ، أخذوا هذا كله بثمن بخس ، مقابل لا شيء تقريبا . ولذلك ، إذا نظرت إلى حقيقة الأشياء لا مظاهرها ، لوجدت أنك تعلمت ، سافرت ، عملت ، اجتهدت لا من أجل نفسك وأبنائك كما تظن ، بل من أجل أن تشتري حديد عز وشقق طلعت مصطفى ، وآخرين لا نعلمهم ، الله يعلمهم .
وصدق بريخت حين قال : " أي وزن لقتل إنسان إذا قيس باستخدام هذا الإنسان ؟
 *******
أتمنى أن يكون مقال الدكتور أيمن قد أعجبكم كما أعجبني فقد قال في ختام المقال ما يدور في نفسي ، و قدم الحكمة على طبق من فضة
 


أضف تعليقا

اضيف في 20 اغسطس, 2008 08:35 م , من قبل amoo2005
من فلسطين said:

خيتو اماني

مقال جميل لكاتب مميز ولراواية رائعة

بريخت مع انه كاتب يساري الا ان روايته الرائعة "البنسات الثلاث " التي تم استعراضها اليوم من خلال مقال الدكتور ايمن لا تبتعد كثيراً عن واقعنا العربي ..

موفقة بما اخترتِ لنا ويعطيكِ العافية ..

ابو وديع

اضيف في 21 اغسطس, 2008 12:49 ص , من قبل thenileson
من مصر said:

الجاره الصديقه

كلام سليم ومعاه حق الدكتور ايمن

لكن لا يعيب اننا نسافر ونتعب ونجتهد

من اجل ان نشترى الحديد والشقق والسيارات

لكن المشكله فى ان يكون الحديد حيد عز

وبس

والشقق طلعت مصطفى وبس

والسيارات منصور وبس

المشكله هى فى الاحتقار لا فى الاستثمار


تحياتى لكى وللدكتور المثقف الواعى

ابن النيل

اضيف في 21 اغسطس, 2008 01:20 ص , من قبل dodo555555
من مصر said:

حبيبتى امانى
نعم صدقت. نحن مسخرون لخدمة احمد عز وطلعت مصطفى واحمد بهجت وغيرهم.
لذا اجد نظرات الشماتة فى عيون المصريين عند احتراق مجلس الشورى واجزاء من مجلس الشعب، حيث يجلس هناك هؤلاء الصفوة الذين بدلا من ان يخدموننا يعتصروننا!

اضيف في 21 اغسطس, 2008 07:47 م , من قبل amany315
من مصر said:

الأخ العزيز أبو وديع
بالفعل قدم الدكتور أيمن مقالة رائعة مزج خلالها رؤيته للرواية و مدى تطابقها مع الواقع رغم السنوات التي تفصل المرحلة التى تم كتابة الرواية فيها عن زماننا و مكاننا

اضيف في 21 اغسطس, 2008 07:50 م , من قبل amany315
من مصر said:

الجار العزيز ابن النيل

صدقت فالمشكله هى فعلا فى الاحتقار لا فى الاستثمار

اضيف في 21 اغسطس, 2008 07:53 م , من قبل amany315
من مصر said:

الغالية عبير
لقد احترت مثلك في نظرات الفرح و الشماتة التى رأيتها تكسوا وجوه الجماهير الغفيرة ...كلمة في سرك أنا زعلانه جدا على المبنى الأثري بس فرحانه فيهم ...من ( الأعداء...أعداء الشعب المصري...)



أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية