أهلا بزحف الصناعة علينا
بقلم : حازم عبدالرحمن

لماذا تركزت الحملة التي شنها أبناء دمياط الكرام علي مصنع أجريوم لصناعة الأسمدة, ولم نسمع كلمة واحدة علي مصنع موبكو لصناعة الأسمدة, الذي بدأ إنتاجه التجريبي مؤخرا, بالرغم من انهما سوف يعملان في مجال انتاج الأسمدة الأزوتية الأمونيا, واليوريا وبالتالي فلسوف ينتجان الملوثات ذاتها المدمرة للبيئة؟
(1) أولا, ليس صحيحا أن كل أبناء دمياط علي قلب رجل واحد في موضوع أجريوم, فلم نر استطلاعا واحدا للرأي العام يحلل ويكشف طبيعة القوي المحركة للحملة المضادة لأجريوم. من هم؟, ومن يكونون؟, وما هي مصالحهم؟, وماهي مصادر تمويلهم؟ القصد من هذا الكلام هو التنبيه الي ضرورة الحذر من أصحاب الصوت العالي, ففي مصر, جرت العادة, بضرورة أن يلزم الناس الحذر من أصحاب هذا الصوت.
ثم أين هم الصامتون؟ ومن يكونون؟ وهل لهم مصالح أم لا؟ ولماذا هم صامتون لم ينطقوا؟
القضية باختصار هي ضرورة الحذر, ففي أي نزاع قضائي دولي, أو حتي محلي أمام محكمة دمياط, سيمثل السكوت المريب عن مصنع موبكو نقطة ضعف جوهرية في كل الحجج المثارة حول أجريوم فإذا كان مصنع أجريوم الكندي لإنتاج الأسمدة, هو الشيطان الذي سيضر البيئة, ويدمرها, ويحيل دمياط من جنة الله في أرضه الي جهنم الحمراء وأرض العذاب! فمن قال إن مصنع موبكو التابع للشركة المصرية القابضة للبتروكيماويات سيتخصص في انتاج الملائكة والحور العين, وسوف تنتشر الجنان الخضراء علي مدد الشوف في دمياط من جرائه؟
هل هو كيل بمكيالين؟ ولماذا؟ هناك بعض الملامح التي تبدو ظاهرة وتنطبق عليها جميع مواصفات أصحاب المصالح في الحملة المضادة لمصنع أجريوم. إذ يردد البعض, أن وراء هذه الحملة, من كانوا يخططون للاستيلاء علي أرض المصنع وتحويلها الي منتجعات سياحية, فإذا كان هذا صحيحا, فإنه يظهر بوضوح انها حملة مغرضة. تعبر عن صراع بين مجموعتي مصالح إحداهما وراء أجريوم والاخري ضدها, ولكن أين الحقيقة؟ مع العلم بأنه ليس هناك خطأ في ان تكون المصالح وراء الصراع.
(2) إن جزءا لا بأس به من الحملة المضادة لمصنع أجريوم لانتاج الأسمدة, تركز علي انه فرع مصري, للأصل الكندي, لماذا؟ لأنه ملوث للبيئة في كندا, ولذلك تقرر نقله إلي مصر.
في البداية, هذا كلام صحيح, ولا جدال في أن معايير نظافة البيئة في كندا, أشرس وأشد وأعلي كثيرا منها في مصر, وأن ماكان مسموحا به في كندا, منذ سنوات, لم يعد مقبولا ولا مصرحا به هناك الآن.. وهذا شيء, لا ينطبق فقط علي مصنع أجريوم ولكنه ينطبق علي كل الصناعات, وما كل مانراه حولنا من حركات تصنيع حديثة في شرق أوروبا, والدول الآسيوية كالهند والصين وماليزيا وسنغافورة إلا تجسيد لهذه الظاهرة.
ما السبب الرئيسي وراء هجرة الصناعات ورؤوس الأموال نحو الدول النامية؟ وجود أيد عاملة رخيصة, وأرض رخيصة, والقرب من مصادر المواد الخام المستخدمة في الانتاج, ووجود الأسواق المستهدفة لتصريف الانتاج قرب المصانع في أماكنها الجديدة, الي جانب أن اشتراطات الأمن الصناعي والبيئي وحقوق العمال وقوة نقاباتهم الخ.. ليست بالمستوي المرعب الموجود في أوروبا أو كندا أو الولايات المتحدة أو اليابان.. وكل هذا يعني أيضا أنه يمكن الاكتفاء في هذه البلدان بتكنولوجيا أقل تقدما من تلك الباهظة التكاليف التي أصبح من اللازم استخدامها في البلاد الأصلية.
واضح مما سبق, ان المسألة في جوهرها هي البحث عن انتاج سلعة رخيصة الثمن يمكن تسويقها بسهولة في السوق العالمية الجديدة الأكثر تساهلا في اشتراطات الجودة عن الأسواق الامريكية والأوروبية واليابانية.
وازاء هذا الموقف, نكون أمام اختيار جوهري, هل نقبل الانضمام إلي الركب العالمي الذي انضمت إليه دول كالصين والهند وماليزيا أم نرفض؟
علينا ألا ننسي, أن عواصمنا الاقليمية مثل المنصورة, ودمياط والزقازيق وشبين الكوم وطنطا وحتي الاسكندرية من الداخل ليست مدنا نظيفة بأي معيار.. لماذا؟ لان الغالبية العظمي من السكان فقراء أو مستوي معيشتهم منخفض.. فاذا زادت دخولهم, فلابد ان ذلك سينعكس علي البيئة التي يعيشون فيها ولاجدال في ان فتح المصانع الأوروبية أو الكندية أو الامريكية في بلادنا ومدننا سيكون فيه فائدة ضخمة فهو سينقل إلينا تكنولوجيا أحدث من الموجودة في حوزتنا حاليا, وهو سينقل الينا استثمارات نحن في مسيس الحاجة اليها لخفض مستويات البطالة. ثم انه سينقل الينا الصناعة والقدرة علي انتاج السلع التي هي جوهر الحضارة والحياة الحديثة. أضف إلي كل هذا أن هذه المصانع ستخضع لنظم ادارية ومحاسبية حديثة ربما لانسمع نحن شيئا عنها حتي الآن. إنها لحظة اختيار فماذا نريد؟ ثم انها ذلت مستوي من تلويث البيئة أقل كثيرا من كل مانعرفه في مصانعنا.
(3) القضية ليست تلويث البيئة, أو تدميرها فما يحدث في الشعاب المرجانية بالبحر الأحمر أو في مناطق الحياة البرية المغلقة بالصحراء الغربية يكشف أننا كمجتمع, مازلنا أفقر وأقل وعيا من ان نهتم كل هذا الاهتمام بالبيئة, انها مجرد حجة وذريعة لا اكثر. فاذا كنا نريد أن نهتم فعلا بالبيئة, فعلينا أن نتحول إلي مجتمع صناعي. عن هذا الطريق يحدث تراكم رأسمالي وتزداد الثروة الاجتماعية وتتوافر الأعمال وتتحسن الاجور وتقل البطالة وترتفع نوعية التعليم والوعي, وتقل معدلات المواليد.. الصناعة هي الباب الوحيد لدخول هذا العالم السحري وليس هناك بديل آخر.
هل نفاضل بين الموت من البطالة, أو قدر من تلويث البيئة؟ خاصة اذا كانت البيئة أصلا قذرة وملوثة, ناهيك عن نوعية الحياة؟ نستطيع في عقود الانشاء مع المصانع المقبلة أن نضع الشروط التي نريدها ونفرض عليهم الالتزام بها, ولكن سيكون خطأ فادحا أن نقول لهم ان بلادنا أرض مغلقة أمام زحف الصناعة عليها, فاذا كنا لانستطيع أن نقيم الصناعة بأنفسنا فهل نقف أمام زحفها علينا؟
بقلم : حازم عبدالرحمن
![]() |
(1) أولا, ليس صحيحا أن كل أبناء دمياط علي قلب رجل واحد في موضوع أجريوم, فلم نر استطلاعا واحدا للرأي العام يحلل ويكشف طبيعة القوي المحركة للحملة المضادة لأجريوم. من هم؟, ومن يكونون؟, وما هي مصالحهم؟, وماهي مصادر تمويلهم؟ القصد من هذا الكلام هو التنبيه الي ضرورة الحذر من أصحاب الصوت العالي, ففي مصر, جرت العادة, بضرورة أن يلزم الناس الحذر من أصحاب هذا الصوت.
ثم أين هم الصامتون؟ ومن يكونون؟ وهل لهم مصالح أم لا؟ ولماذا هم صامتون لم ينطقوا؟
القضية باختصار هي ضرورة الحذر, ففي أي نزاع قضائي دولي, أو حتي محلي أمام محكمة دمياط, سيمثل السكوت المريب عن مصنع موبكو نقطة ضعف جوهرية في كل الحجج المثارة حول أجريوم فإذا كان مصنع أجريوم الكندي لإنتاج الأسمدة, هو الشيطان الذي سيضر البيئة, ويدمرها, ويحيل دمياط من جنة الله في أرضه الي جهنم الحمراء وأرض العذاب! فمن قال إن مصنع موبكو التابع للشركة المصرية القابضة للبتروكيماويات سيتخصص في انتاج الملائكة والحور العين, وسوف تنتشر الجنان الخضراء علي مدد الشوف في دمياط من جرائه؟
هل هو كيل بمكيالين؟ ولماذا؟ هناك بعض الملامح التي تبدو ظاهرة وتنطبق عليها جميع مواصفات أصحاب المصالح في الحملة المضادة لمصنع أجريوم. إذ يردد البعض, أن وراء هذه الحملة, من كانوا يخططون للاستيلاء علي أرض المصنع وتحويلها الي منتجعات سياحية, فإذا كان هذا صحيحا, فإنه يظهر بوضوح انها حملة مغرضة. تعبر عن صراع بين مجموعتي مصالح إحداهما وراء أجريوم والاخري ضدها, ولكن أين الحقيقة؟ مع العلم بأنه ليس هناك خطأ في ان تكون المصالح وراء الصراع.
(2) إن جزءا لا بأس به من الحملة المضادة لمصنع أجريوم لانتاج الأسمدة, تركز علي انه فرع مصري, للأصل الكندي, لماذا؟ لأنه ملوث للبيئة في كندا, ولذلك تقرر نقله إلي مصر.
في البداية, هذا كلام صحيح, ولا جدال في أن معايير نظافة البيئة في كندا, أشرس وأشد وأعلي كثيرا منها في مصر, وأن ماكان مسموحا به في كندا, منذ سنوات, لم يعد مقبولا ولا مصرحا به هناك الآن.. وهذا شيء, لا ينطبق فقط علي مصنع أجريوم ولكنه ينطبق علي كل الصناعات, وما كل مانراه حولنا من حركات تصنيع حديثة في شرق أوروبا, والدول الآسيوية كالهند والصين وماليزيا وسنغافورة إلا تجسيد لهذه الظاهرة.
ما السبب الرئيسي وراء هجرة الصناعات ورؤوس الأموال نحو الدول النامية؟ وجود أيد عاملة رخيصة, وأرض رخيصة, والقرب من مصادر المواد الخام المستخدمة في الانتاج, ووجود الأسواق المستهدفة لتصريف الانتاج قرب المصانع في أماكنها الجديدة, الي جانب أن اشتراطات الأمن الصناعي والبيئي وحقوق العمال وقوة نقاباتهم الخ.. ليست بالمستوي المرعب الموجود في أوروبا أو كندا أو الولايات المتحدة أو اليابان.. وكل هذا يعني أيضا أنه يمكن الاكتفاء في هذه البلدان بتكنولوجيا أقل تقدما من تلك الباهظة التكاليف التي أصبح من اللازم استخدامها في البلاد الأصلية.
واضح مما سبق, ان المسألة في جوهرها هي البحث عن انتاج سلعة رخيصة الثمن يمكن تسويقها بسهولة في السوق العالمية الجديدة الأكثر تساهلا في اشتراطات الجودة عن الأسواق الامريكية والأوروبية واليابانية.
وازاء هذا الموقف, نكون أمام اختيار جوهري, هل نقبل الانضمام إلي الركب العالمي الذي انضمت إليه دول كالصين والهند وماليزيا أم نرفض؟
علينا ألا ننسي, أن عواصمنا الاقليمية مثل المنصورة, ودمياط والزقازيق وشبين الكوم وطنطا وحتي الاسكندرية من الداخل ليست مدنا نظيفة بأي معيار.. لماذا؟ لان الغالبية العظمي من السكان فقراء أو مستوي معيشتهم منخفض.. فاذا زادت دخولهم, فلابد ان ذلك سينعكس علي البيئة التي يعيشون فيها ولاجدال في ان فتح المصانع الأوروبية أو الكندية أو الامريكية في بلادنا ومدننا سيكون فيه فائدة ضخمة فهو سينقل إلينا تكنولوجيا أحدث من الموجودة في حوزتنا حاليا, وهو سينقل الينا استثمارات نحن في مسيس الحاجة اليها لخفض مستويات البطالة. ثم انه سينقل الينا الصناعة والقدرة علي انتاج السلع التي هي جوهر الحضارة والحياة الحديثة. أضف إلي كل هذا أن هذه المصانع ستخضع لنظم ادارية ومحاسبية حديثة ربما لانسمع نحن شيئا عنها حتي الآن. إنها لحظة اختيار فماذا نريد؟ ثم انها ذلت مستوي من تلويث البيئة أقل كثيرا من كل مانعرفه في مصانعنا.
(3) القضية ليست تلويث البيئة, أو تدميرها فما يحدث في الشعاب المرجانية بالبحر الأحمر أو في مناطق الحياة البرية المغلقة بالصحراء الغربية يكشف أننا كمجتمع, مازلنا أفقر وأقل وعيا من ان نهتم كل هذا الاهتمام بالبيئة, انها مجرد حجة وذريعة لا اكثر. فاذا كنا نريد أن نهتم فعلا بالبيئة, فعلينا أن نتحول إلي مجتمع صناعي. عن هذا الطريق يحدث تراكم رأسمالي وتزداد الثروة الاجتماعية وتتوافر الأعمال وتتحسن الاجور وتقل البطالة وترتفع نوعية التعليم والوعي, وتقل معدلات المواليد.. الصناعة هي الباب الوحيد لدخول هذا العالم السحري وليس هناك بديل آخر.
هل نفاضل بين الموت من البطالة, أو قدر من تلويث البيئة؟ خاصة اذا كانت البيئة أصلا قذرة وملوثة, ناهيك عن نوعية الحياة؟ نستطيع في عقود الانشاء مع المصانع المقبلة أن نضع الشروط التي نريدها ونفرض عليهم الالتزام بها, ولكن سيكون خطأ فادحا أن نقول لهم ان بلادنا أرض مغلقة أمام زحف الصناعة عليها, فاذا كنا لانستطيع أن نقيم الصناعة بأنفسنا فهل نقف أمام زحفها علينا؟








said:

said:












من الأردن