إبحار
في عالم الثقافة و العلوم و الفنون
رحلة آمون البحرية العجيبة

 أصدقائي الأعزاء أصحبكم في هذه التدوينه إلى عالم قدماء المصريين حيث أقدم لكم في إيجاز قصة من الأدب المصري القديم  نتعرف من خلالها على عالم قدماء المصريين المجهول  و نمط حياتهم و طريقة تفــكـــيرهم و علاقاتهم مع جيرانهم من الشعوب المجاورة لهم . و قد دونت هذه القصة في بردية عثر ثلاثة من الفلاحين على بردية أخرى تحوي نسخة منها و باعوها لعالم المصريات الروسي فالدمير جولينشف عام 1891م ، لكن للأسف هذه النسخة لا تحوى القصة بأكملها لأن جزء منها مفقود . وقد قام هذا العالم بترجمتها و التعليق عليها ، و هي الآن محفوظة في متحف موسكو. تدور أحــــــداث هذه القصـــــة بين مـصــر و لبنـــــــــان(جـبيل) في عصر الملك رمسيس الحادي عشر وهو أخر الفراعنة الذين حملوا هذا الأسم .القصة عبارة عن وصف لرحلة بحرية قام بها رجل يدعى( ون آمون) . كان ون آمون رئيسا للمراسم في معبد آمون بالكرنك في طيبة(الأقصر الحالية)، و كان فقيها في شئون الدين و المراسم الوثنية ، و كان رئيسه المباشر هو كبير الكهنة المدعو (حريحور). وقد بدأت رحلة ون آمون البحرية العجيبة حوالي عام 1080قبل ميلاد السيد المسيح . أما الهدف من الرحلة فهو جلب خشب الأرز من جبيل لترميم السفينة الكبيرة الرائعة لملك الآلـهة آمون التى أصابها التصدع و التلف ،و باتت رأس الكبش رمز الإله آمون على مـقدمــة و مؤخــرة السفينة و المستمد منها أســـــم السـفينة و هو " آمون ذو القوة " مهددة بالسقوط ، و كذلك تحطمت المقصورة الصغيرة للقارب المحمول لآمون و التي يوجد بها تمثاله السري فأصبحت لا تخفيه عن أعين الحساد . لذلك قرركبير الكهنة حريحور إرسال رئيس المراسم ون آمون إلى جبيل لإحضار خشب الآرز لترميم تلك السفينة  حيث لا ينمو شجر الآرز إلا في لبنان

المهمة الصعبة
كانت مهمة ون آمون مهمة صعبة جدا و السبب في صعوبتها أن الدولة المصرية في تلك الفترة كانت تمر بعصر من عصور الإنحطاط و الضعف و التفكك بسبب الإضطرابات الداخلية و الحروب ، لذلك فقد كانت كلا من خزانة الملك و الكهان خالية وكان على ون آمون تسول الأموال اللازمة للإبحارمن حكام الأقاليم المصرية أثناء رحلته لجبيل ، وكل ما أستطاع أن يزوده به حريحور كبير كهنة آمون هو تمثال بديع الصنع للإله آمون ليحفظه و يعينه في طريقه و رحلته . و قد سمى هذا التمثال " آمون على الطريق " و نحت من خشب السنط و  تم حفظه في صندوق صنع من نفس الخشب .أما آمون هذا فهو أحد المعبودات المصرية القديمة
 
   *******تمثال آمون ****** 
 
 
   حيث كان قدماء المصريين شأنهم في ذلك                                ************
شأن شعوب العالم القديم كانوا يعتقدون في تعدد الألهة أو تعدد صفات الإله الخالق و كان آمون بالنسبة لهم هو الإله ذو القوى الخفية ، فصنعوا له تماثيل على هيئة بشرية و يرتدي تاج له ريشتان طويلتان يرمزان للهواء أهم العناصر الرئيسية للحياة ، كما شيدوا له المعابد الضخمة و أشهرها معبد الكرنك الموجود في مدينة الأقصر في صعيد مصر
و كان على ون آمون أن يتسول ثمن خشب الأرز في طريقه إلى لبنان من أمراء الأقاليم ، حيث أعطاه كبير كهنة آمون المدعو حريحور رسائل إلى كل أمراء الأقاليم في مصر يطلب منهم إمداده بما لديهم من نفائس من ذهب و فضة و خــلافه لتحديث سفينة كبير الألهة آمون ، و قد استجاب له حكام الأقاليم ، بل و أمده أمير تانيس (سمندس) و زوجته( تانت آمون) بسفينه لتحمله إلى جبيل
مخاطر الرحلة
قام حاكم تانيس و زوجته بكل ما في وسعهم لإيجاد سفينة تنقل ون آمون إلى سورية ، و بعد مرور عدة أسابيع وجدوا أخيرا ربان سفينة وافق على أن يحمله معه إلى جبيل و هذا الربان يدعى مينجبت
كانت الرحلة هادئه في بدايتها حيث كانت أحوال البحر ملائمة للإبحار بالشراع و الرياح هادئة. و وصلت السفينة إلى أول مدينة سورية وهي (دور )في بلاد (زكار) و كان يحكمها الأمير( بيدر) ، و قد رحب بالرسول المصري و أعطاه بعض الهدايا و الأطعمه و أثناء إنشغال ون آمون  بتناول الطعام سرقت أغراضه و كل ما كان يحمله من أموال ، و بالتالى لم يعد لديه ما يدفع به ثمن خشب الأرز أو ليقدمه لأمراء سوريا كهدايا
رفض الأمير بيدر مساعدة ون آمون و إعطاءه ما يواصل به رحلته حيث قال له أن السارق لا ينتمي لبلاده  و لو أن السارق ينتمي لبلاده لعوضه عن المسروقات ،لكن كل ما يستطيع أن يفعله له هو البحث عن السارق فإن وجده أعطى ون آمون ما سرق منه، و هكذا أضطر ون آمون لمواصلة الرحلة بعد أن ظلت سفينته تسعة أيام في الميناء لعلهم يجدون السارق
خديعة مينجبت
أراد ربان السفينة مينجبت أن يتخلص من ون آمون خاصة بعد أن سرقت أمواله و أصبح عبئا عليه، لذلك أشار عليه بمغادرة السفينة في ميناء طيروس و ركوب أي سفينة تابعة لبيدر أمير دور و عندما يكون في عرض البحر يقوم بفتح خزينة المركب و الإستيلاء على كل ما فيها وعليه عند اكتشاف السرقة أن يقول لهم أن الأمير بيدر مدين لك بكثير من النقود و أن عليهم أن يستعيدوا نقودهم من بيدر. صدق ون آمون الخدعة و فعلها ،  و بالفعل فقد بحث الزكار عن ما سرق منهم فوجدوه تحت أقدام تمثال آمون لكنم لم يجرأوا على استعادة المال لخشيتهم من غضب الإله المصري آمون . تضايق ربان السفينه ولام ون آمون على فعلته خاصة و هو ضيف عليهم ، فحكى له ون آمون قصته و قال له أنه لابد أن الأمير بيدر قد وجد السارق و أنهم عند عودتهم يمكنهم أخذ تلك الأموال و هي أموال أكثر من التى أخذها منهم .بالطبع لم تعجبت تلك الإجابة ربان السفينة و هدد" ون آمون" بأنه سوف يشكوه عند (زركابيل) أمير جبيل
هروب ون آمون
استطاع ون آمون الهرب عندما وصلت سفينته لجبيل ، و قد تنصل حاكم جبيل من مطاردة السارق كما فعل الأمير بيدر سابقا بحجة أن السرقة لم تتم في بلاده بل تمت في عرض البحر ، كما أنه لم يرغب في الزج بنفسه في مشاحنات بين غريبين
المهم أن سفينة الزكار أبحرت و عندئذ خرج "ون آمون" من مخبأه و أقام لنفسه خيمة في الميناء،فبعث إليه الحاكم  مع رئيس الميناء الذي كان مصريا ليخبر ون آمون بأنه غير مرغوب في وجوده لأنه سرق أصدقاءه الزكار ، و كذلك لأنه مكث في الميناء دون إذن من الأمير و أن عليه أن يغادر،وعندما طلب ون آمون مقابلة الأمير رفض مقابلته فلم يجد ون آمون بدا من الإنتظار حتى تأتي سفينة لتحمله عائدا إلى مصر و قد يأس من إتمام مهمته
آمون يتدخل لإتمام المهمة
في اليوم الذي وجد "ون آمون" سفينة تحمله إلى مصر أرسل إليه الأمير يطلب مقابلته ، فقد كان الأميريقدم القرابين للألهة و عندئذ تقمص الوثن آمون أحد الكهنة و أمر بإحضار رسول آمون و العمل على تلبية مطالبه
 
 
كانت هذه رسالة للأمير من الألهة التي لابد أن يطيعها و إلا حلت لعنتها عليه و على بلاده . و هكذا تدخل آمون في الوقت المناسب لينقذ مهمة ون آمون من الفشل . و قد أمر الأمير ثلاثمائة من أتباعه للعمل في تقطيع خشب الأرز ، و أعطاهم ثلاثمائة بقرة لنقل الجذوع ، و ذلك في مهمة استغرقت فصل الشتاء بأكمله و جزء كبير من فصل الصيف .وبعد أن تم كل شيء ووضعت أشجار الأرز على شاطيء البحر ندم الأمير لأنه لم يأخذ المقابل المادي المناسب و أراد أن يحصل و لو على مقابل للشحن فاستدعى ون آمون وطلب منه أن يشحن تلك الأخشاب بمعرفته و أغلظ له القول ، فما كان من ون آمون إلا أن أقنع الأمير بإتمام مهمته  في مقابل أن يكتب على حجر تذكاري عطاياه للإله آمون مما يخلد ذكراه ، كما سيمنحه آمون خمسين عام أخرى من الحكم و سيحظى بمجاورة آمون في الحياة الأخرى
عودة الزكار
جهز الأمير السفن لون آمون وعندما كان على وشك العودة لمصر أتت سفن الزكار للإنتقام من ون آمون و القبض عليه ، لكن هبت عاصفة أغرقت تلك السفن وقذفت بسفينة ون آمون إلى جزيرة تسمى" إلسا" في ذلك الوقت وهي جزيرة قبرص الآن ، و تم القبض على ون آمون ومن معه من بحارة جبيل . إلا أن أميرة البلاد قد أمـــرت بالإفراج عنهم عندما أخبرها "ون آمون" بــأنه رسول آمون رع و هذا يدل على شهرة و سيادة المعبودات المصرية القديمة في بلاد العالم  ، كما حذرها من انتقام سيد جبيل لبحارته......إلى هنا تنتهى القصة حيث أن البردية غير مكتملة ، والقصة تمثل نموذج رائع للأدب المصري القديم و رغم أن المؤلفه الألمانيه إريكا شوت قد حاولت إستكمال القصة و زودتها بالرسوم المصاحبة وقامت وفاء الصديق بترجمتها عن الألمانية، إلا أنني أثرت أن أعرض ملخص للجزء الأصلي فقط و أترك لخيالكم إستكمال القصة ...هل عاد ون آمون إلى مصر؟ و ماذا حدث له في رحلة العودة؟...أتمنى أن تعجبكم    
 
      


أضف تعليقا

اضيف في 23 مارس, 2008 12:55 ص , من قبل dodo555555
من مصر said:

امانى الغالية
انا عاشقة للآثار الفرعونية، والقصة البديعة التى نقلتيها لنا ذكرتنى بكتاب كنت قد قرأته منذ سنوات، هذا الكتاب يجمع بين صفحاته اشهر القصص الفرعونية، والامر العجيب اننى اكتشفت بعد قراءتها ان معظم القصص العالمية الشهيرة مستمدة من القصص الفرعونية!
لك الشكر الجزيل يا امانى على هذا الموضوع الممتع. واسمحى لى أن اتخيل نهاية للقصة.

اضيف في 23 مارس, 2008 01:41 ص , من قبل amany315
من مصر said:

صديقتي العزيزة عبير
الإنسان واحد في كل مكان و زمان و الأدب ما هو إلا مرآة تعكس أحوال الفرد و المجتمع لذا لا تندهشى عندما تجدي تشابه في الأحداث التى تحويها القصص زمان و الآن ..فأنظري إلى أغراض الشعر قديما و حديثا بوصفه أحد أفرع الأدب ستجدينها واحدة ... الإختلاف يكمن في أسلوب العرض و التناول .. أما عن الحضارة المصرية القديمة فإن إسهاماتها في كافة أفرع العلم و الأدب لا يمكن إنكارها و هي تحظى بتقدير كافة شعوب العالم.

اضيف في 23 مارس, 2008 08:04 ص , من قبل elbayomy
من مصر said:



العزيزة

امانى

شكرا لك نسيناللحظات حالة الغلب التى نحياها وعشنا مع زمن العظماء الذى نبكى اطلاله الى اليوم .اين انتم اجدادى مما نحن فيه الان..
شكرا مرة اخرى وفى انتظار تواصلك ان شاء الله

اضيف في 23 مارس, 2008 11:27 ص , من قبل amany315
من مصر said:

الصديق العزيز الأستاذ حسن توفيق
حقا كان زمن العظماء.لكننا لن نيأس و سنحاول من جديد و نتعلم و نتمنى أن تعود لمصر ريادتها و عظمتها. أنت من تستحق الشكر لدورك الكبير في تجميع المدونين و رعاية إتحادهم الوليد.

اضيف في 23 مارس, 2008 02:06 م , من قبل emadelsape
من مصر said:

الصديقة الغالية / أمانى .. تحيات خالصة ..حدس العرافة لم يكن صادقا معكم هذه المرة !. فدنتيلا عبير والجار الجديد حسن توفيق جرحا معا النبؤة وقدما تعليقين منفردين و بعد ساعات قليلة فقط من النشر !. ولكن لا بأس !!. ان مهمة اعادة تعريف جماعة المدونيين ببعض مظاهر ودروس الحياة العقائدية والاجتماعية فى مصر الفرعونية تبدو مؤثرة من جانبين : الأول : هو ندرة المواقع والمدونات العربية التى تحتفى بالبحث والتأصيل فى أرشيف الحضارة المصرية العتيدة . والثانى : أن التنقيب فى مثل ذاك العمق التاريخى يفتح افاقا حول فهم ظواهر معاصرة ويقدم براهين دالة على عدم عرضيتها فى دنياالواقع المعاش . فاعتداد المصريين بالدين وطقوسه وشعائره له جذوره الزمنية الضاربة والتى تظل دوما سندا لفهم خصائص وأبعاد الشخصية المصرية . كما أن القرينة الرافدة لمغزى تلك القصة المطروحة من جانبكم - وعلى نحو ما فهمت - هو امتداد "النضال الدينى " للمصرى القديم وأن الاهتمام ب " الدين " يشكل أحد أبرز المكونات العقلية والمعرفية له منذ فجر التاريخ الأنسانى . ثمة ملاحظات أود تسجليها بمناسبة قصة رحلة آمون البحرية تخلص فى النقاط التالية : ( يتبع )

اضيف في 23 مارس, 2008 03:07 م , من قبل emadelsape
من مصر said:

1- هل تعلمين صديقتى أن بعض أهم الخطوط البحرية التى سلكها ( ون آمون ) فى رحلته الى الشام مازالت موجودة حتى الآن !!. فالاسم القديم للطريق المائى الواصل بين دمياط وبورسعيد فالبحر المتوسط هو ( بحيرة تنيس )// و المعروفة الآن ببحيرة المنزلة // وهى التى احنفى حاكمها( حاكم اقليم تانيس ) ب( ون آمون ) ومازال النشاط الاقتصادى الرئيسى لتلك المنطقة هو صناعة وتموين السفن البحرية !!. 2- أن تلك القصة ما هى الا " تنويعة أدبية " على حقيقة تاريخية كنت اود منكم اثباتها وهى تتعلق بأن الشعائر الدينية الخاصة بعبادة آمون ( الآله المحلى لطيبة ) كانت " السياحة عبر السفن المقدسة "!. وقد اسس الفرعون ( أمنمحات )عيدا مصريا مجيدا اطلق عليه اسم( عيد الوادى ) لتمجيد الآله " امون " و السياحة الى وادى "نبت حبت رع " / وهو الدير البحرى حاليا / ولتمجيد هذا الآله والاحتفال به. 3- ان المراجع الألمانية المهتمة بعلم المصريات تشير الى ميعاد تقريبى للقصة المذكورة وهو عهد الأمير "واح عنخ انتف عا " حيث سجل محتوى القصة ورحلة تلك السفن البحرية فى لوحته الرئيسية التى وجدت فى قبره.( برجاء مراجعة المجلد 3 من موسوعة سليم حسن حول مصر القديمة- الدولة الوسطى ص517 وما بعدها )...الحديث عن الحضارة المصرية القديمة يبدو موصولا معكم وهو يستوجب مزيدا من الرصد والمتابعة- واعتقد انكم اطلقتم بداياته فى مؤمياء شادى ثم القصة الحالية .. والى الأمام .. تقديرى الذى تعرفينه .عماد

اضيف في 23 مارس, 2008 08:14 م , من قبل amany315
من مصر said:

الصديق العزيز الأستاذ عماد
يسعدني جدا قراءة تعليقاتك التى تمثل دائما إضافة ثرية للموضوع الأصلى ، و تنم على ثقافة موسوعيه و إطلاع واسع.
تحياتي.



أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية